تعريف عن الحج
" - ص 252 -" ( كِتَابُ الْحَجِّ )
الْحَجُّ : بِفَتْحِ الْحَاءِ هُوَ الْمَصْدَرُ ، وَبِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ جَمِيعًا هُوَ الِاسْمُ مِنْهُ ، وَأَصْلُهُ : الْقَصْدُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ أَيْضًا ، وَعَلَى الْإِتْيَانِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَأَصْلُ الْعُمْرَةِ : الزِّيَارَةُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ مُسْتَطِيعٍ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ فَقِيلَ : وَاجِبَةٌ ، وَقِيلَ : مُسْتَحَبَّةٌ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَصَحُّهُمَا وُجُوبُهَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ وَلَا الْعُمْرَةُ فِي عُمُرِ الْإِنْسَانِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، إِلَّا أَنْ يَنْذِرَ فَيَجِبَ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ بِشَرْطِهِ ، وَإِلَّا إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ حَرَمَهَا لِحَاجَةٍ لَا تَتَكَرَّرُ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا ، فَفِي وُجُوبِ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ خِلَافُ الْعُلَمَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحُّهُمَا : اسْتِحْبَابُهُ ، وَالثَّانِي وُجُوبُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ لِقِتَالٍ وَلَا خَائِفًا مِنْ ظُهُورِهِ وَبُرُوزِهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَطَائِفَةٌ : هُوَ عَلَى التَّرَاخِي ، إِلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالٍ يُظَنُّ فَوَاتُهُ لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَآخَرُونَ : هُوَ عَلَى الْفَوْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ : ( لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ "" - ص 253 - الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزِلِهِ ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ : لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا ، فَحَصَلَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْمَذْكُورَاتِ ، وَيَلْبَسُ مَا سِوَى ذَلِكَ ، وَكَانَ التَّصْرِيحُ بِمَا لَا يَلْبَسُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ ، وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَضُبِطَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا ) يَعْنِي : وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ ، وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا ، وَهُوَ مَا كَانَ مُحِيطًا أَوْ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ ، كَالْجَوْشَنِ وَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ " - لبسهما للمحرم - " وَغَيْرِهَا ، وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأْسِ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، حَتَّى الْعِصَابَةُ " - ارتداؤها للمحرم - " فَإِنَّهَا حَرَامٌ ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ ، وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاسٍ وَجُمْجُمٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الرِّجَالِ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُبَاحُ لَهَا سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا بِكُلِّ سَاتِرٍ مِنْ مَخِيطٍ وَغَيْرِهِ ، إِلَّا سَتْرَ وَجْهِهَا " - في الإحرام - " فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ سَاتِرٍ ، وَفِي سَتْرِ يَدَيْهَا بِالْقُفَّازَيْنِ " - المحرمة - " خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحُّهُمَا : تَحْرِيمُهُ ، وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُمَا ، وَهُوَ الطِّيبُ ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا فِي الْإِحْرَامِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ ، وَالْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ ، وَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلِبَاسِهِ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَيَتَّصِفَ " - ص 254 -" بِصِفَةِ الْخَاشِعِ الذَّلِيلِ ؛ وَلِيَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، فَيَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى كَثْرَةِ أَذْكَارِهِ ، وَأَبْلَغَ فِي مُرَاقَبَتِهِ وَصِيَانَتِهِ لِعِبَادَتِهِ ، وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ ؛ وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْتَ وَلِبَاسَ الْأَكْفَانِ ، وَيَتَذَكَّرَ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالنَّاسُ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ : أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا ، وَيَجْتَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ : ( مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ) وَلَمْ يَذْكُرْ قَطْعَهُمَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ أَحْمَدُ : يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ " - للمحرم - " بِحَالِهِمَا ، وَلَا يَجِبُ قَطْعُهُمَا ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا ، وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعَهُمَا إِضَاعَةُ مَالٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالُوا : وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مُطْلَقَانِ ، فَيَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَقَوْلُهُمْ : إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ ، بَلْ حَقٍّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ ، هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَةٌ لَبَيَّنَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ يَحْلِقُهُ وَيَفْدِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ ) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِهِمَا لِكَوْنِهِمَا طِيبًا ، وَأَلْحَقُوا بِهِمَا جَمِيعَ أَنْوَاعِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ ، وَسَبَبُ تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ ؛ وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ ، فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ ، وَسَوَاءٌ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، وَكَذَا جَمِيعُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ سِوَى اللِّبَاسِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ .
وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ سَبْعَةٌ : اللِّبَاسُ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ ، وَالطِّيبُ ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ ، وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ ، وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى الِاسْتِمْنَاءُ ، وَالسَّابِعُ : إِتْلَافُ الصَّيْدِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَا نُهِيَ عَنْهُ " - المحرم - " لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إِنْ كَانَ عَامِدًا بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا فِدْيَةَ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ، وَلَا يَحْرُمُ الْمُعَصْفَرُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَحَرَّمَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَعَلَاهُ طِيبًا ، وَأَوْجَبَا فِيهِ الْفِدْيَةَ ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ ، وَلَا يَحْرُمُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .